تستعرض دارسي دراوت فيخاريس وتيم ساهاي تداعيات الحرب الإيرانية على اقتصاد كوريا الجنوبية، موضحين كيف كشفت الأزمة عن هشاشة عميقة في قطاع أشباه الموصلات المرتبط بشكل وثيق بأمن الطاقة.


توضح مؤسسة كارنيجي أن الصدمة لم تقتصر على الجغرافيا القريبة من الصراع، بل امتدت إلى شرق آسيا، حيث هبطت سوق الأسهم الكورية بنسبة 18% خلال أربعة أيام فقط، وخسرت أكثر من 500 مليار دولار من قيمتها، نتيجة اضطراب إمدادات الطاقة وتأثيرها المباشر على قطاع التكنولوجيا.


أزمة طاقة تضرب قلب صناعة الرقائق


تعتمد كوريا الجنوبية بشكل كبير على واردات الوقود الأحفوري، خاصة النفط والغاز الطبيعي المسال، حيث يشكل النفط وحده نحو 36.6% من استهلاك الطاقة. وتستورد البلاد حوالي 70% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، وتمر أغلب هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز.


يغذي هذا الاعتماد قطاعًا حيويًا يتمثل في صناعة أشباه الموصلات، التي تقودها شركتا “سامسونج إلكترونيكس” و”إس كيه هاينكس”، واللتان تمثلان نحو 40% من القيمة السوقية للبورصة الكورية. وخلال الأزمة، فقدت الشركتان أكثر من 20% من قيمتهما خلال يومين فقط، قبل أن تستقر الأسواق جزئيًا.


تكشف هذه التطورات خللًا هيكليًا قديمًا: تعتمد صناعة الرقائق المتقدمة على طاقة مستقرة وكثيفة، بينما تعتمد كوريا على مصادر خارجية معرضة للصدمات الجيوسياسية.


تداعيات عالمية لأزمة محلية


تتجاوز آثار هذه الأزمة حدود كوريا، نظرًا لهيمنة شركاتها على سوق رقائق الذاكرة عالميًا. تستحوذ سامسونج و”إس كيه هاينكس” على نحو 80% من سوق ذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM)، ونحو 70% من سوق DRAM، وهما عنصران أساسيان في تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والهواتف والسيارات.


يعني أي اضطراب في إمدادات الطاقة الكورية تهديدًا مباشرًا لسلاسل التوريد العالمية، خاصة في ظل ارتفاع الطلب على الرقائق بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي. وقد أدى ارتفاع تكاليف الطاقة بأكثر من 60% بين 2020 و2024 إلى انتقال بعض الشركات إلى الولايات المتحدة وجنوب شرق آسيا، حيث تكاليف الطاقة أقل.


ومع ذلك، لا يلغي هذا الانتقال التأثير العالمي لأي أزمة، إذ تظل كوريا لاعبًا محوريًا في إنتاج الرقائق المتقدمة، ما يجعل أمنها الطاقي قضية عالمية.


خيارات كوريا لتقليل المخاطر


تكشف الأزمة أن الحفاظ على ريادة كوريا في صناعة الرقائق يتطلب تأمين مصادر الطاقة أولًا. ويقترح التحليل مسارين أساسيين.


أولًا، توسيع إنتاج الطاقة المحلية عبر الاستثمار في الطاقة النووية والمتجددة مثل الشمس والرياح، لتقليل الاعتماد على الواردات. وقد بدأت سيول بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مع خطط للتخلص التدريجي من الفحم بحلول 2040 وزيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة.


ثانيًا، تحديث شبكة الكهرباء عبر إزالة العوائق التنظيمية وتوسيع البنية التحتية لنقل الطاقة، بما يسمح بربط المجمعات الصناعية بمصادر طاقة مستقرة. وتشمل هذه الجهود إنشاء خطوط نقل جديدة لدعم مجمع “يونغين” العملاق للرقائق، الذي سيحتاج وحده إلى نحو 16 جيجاوات من الكهرباء، أي ما يقارب 17% من الطلب الوطني الأقصى.


تؤكد الأزمة أن المشكلة لم تولد مع الحرب الإيرانية، بل كشفتها فقط. ومع تصاعد أهمية الاقتصاد الرقمي عالميًا، يتحول تأمين الطاقة لصناعة الرقائق إلى قضية أمن اقتصادي وتكنولوجي عالمي، لا مجرد تحدٍ محلي لكوريا الجنوبية.

 

https://carnegieendowment.org/emissary/2026/03/iran-korea-semiconductor-chips-energy-oil-hormuz